نوع المقالة: توعوية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (42).
تاريخ النّشر: 4/2/24 أدبي.
❞ بعد الوصول إلى هذا المستنقع الآسن بالفتن والهلاك حان دور الأدباء في هندسة المجتمعات وفق رؤيتهم الّتي يخطُونها على الورق ❝❞الكُتَّاب ثلاثة: كاتبٌ يكتب حتّى يرى النّاس ما في رأسه من خيال، وكاتبٌ يكتب واقعًا يعيشه النّاس ولا يعرفون من كتب لهم هذا الشّقاء أو هذا الرّخاء، وكاتبٌ يكتب واقعا افتراضيًّا يعيشه الممثلون في ساعات تمثيلهم؛ لأعمال مسلسلاتهم وأفلامهم وهذا الصّنف يتوسط الصّنفين السّابقين❝
اسم المقالة: مُخَضْرَمٌ بِوَجْهِيْنِ.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: واقعية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (40).
تاريخ النّشر: 3/12/7 أدبي.
ترتجل صباحا طريقك؛ لقضاء واجباتك اليومية والتزاماتك، تتمشى بين الخلائق والنّاس فلا يكترث لك أحدٌ، ولا يُصوِّب عينه عليك أحدٌ إلا من عرفك ردَّ عليك السّلام، وأكثرهم لم يعلموا أنَّك حاكمُهم! تدخل المتجر وتشتري ما يلزمُ من الطّعام ومشتقاتهِ، وعلى نافذة الحساب تنتظر أن يحين دورك؛ لدفع ثمن ما اشتريتَ، تعبرُ الشّارع إلى شباك بيع تذاكر المواصلات فتستقلّ حافلةً أو قطارًا وتجلس بينَ وحول كثيرٍ من النّاس لا يُراعون وجودك بينهم كأنّك تجلس وحدك! فلا بائع المتجر ولا بائع التّذاكر خصموا أو أعفوك من ثمن جزءٍ قِبال ما اشتريت وأخذت! لا تنتظر منهم حسن معاملةٍ كهذي فلم يصلهم نبأ حفنة الأموال الّتي دخلت جيوبهم أنّها خرجت من خزائنِ ثرواتك وكنوزك! يقفُ على جانبك الأيمنِ جنديين ممشوقي القامة وأحدهم بالكاد يمرقك بطرف عينه ثمَّ يُغرِب وجههُ عنك كأنّك لا شيءَ أمامه! لا تعتب عليه إن لم يُبدِ لك الاحترام فما أحدٌ من الجنرالات الكِبار أخبره أنّ الجيش الّذي يعمل به هذا الجندي، أنت من أسَّسه وشكّل قِطعهُ وصفَّ رُتبهُ ووزَّع فيه الأوسمة والنّياشين! يتغنون أمامك بالحرِّية ويكيلون لك التّهديد يلي التّهديد إذا ما صرت مسؤولا في البلاد أنَّك ستدفع ثمنًا باهظًا إن حاولت قمع حرِّتهم أو أخرست صوتهم! لم يقرأوا من قبلُ اسمك معنونًا بالخط العريض في الصّحفِ أنك أنت أول من قبض الفأس وهدم السّجون وقطَّع الأغلال وحرر الإنسان وأطلق الكلمة! يُلمِّح إليك ذلك المُزارع البستاني لمّا مشيت محاذيًّا بستانه قائلًا لك: لا تقطف شيئًا من عناقيد العنبِ ولا ذاك التِّينِ فبالأمس رُشَّت بالمبيد فأخشى عليك أن تتسمَّمَ أو تُصاب بمكروهٍ! وفي مَقصده المُبطَّن لا تمدَّنَّ يديكَ وتسرق شيئًا من بستاني! فهم الرّجلُ مَقصده وهزّ رأسهُ يحاكي نفسه بصوت خافتٍ يا صاحب البستان: يا صاحب البستان: لو لم يشبع النّاس في عهدي بعد أن قتلتُ الجوع ولو لم أقطع يد السّارقين ما كنت لترى بستانك هذا ولن تملكه! وفي تلك السّهول البعيدة نفذ الماء في قربتك الصّغيرة فعاينت إلى جهة المشرق بالكاد ترى مئذنة مسجدٍ بعيدةً عنك بضعة أميالٍ، أخذت متوجها إليها وخطوةً بعد خطوةٍ تراك تشاهد قرية صغيرةً فلمّا وصلتها دخلت باب مسجدها فتوضئت ثمَّ الصَّلاة أقمت وحينما خرجت أخذت قِربتك الفارغة ووضعتها تحت حنفية ماءٍ تتبع للمسجدِ حينها مرّ جانبك أحدهم ملاحظًا لك يقول: أنزِل القِربةَ لِأسفلٍ فهكذا ستُكسَرُ الحنفيةُ! فكأنَّما لم يرُق له أن يشاهد غريبا يتطفَّل على ماءٍ سبيلٍ في مسجد قريته! للأسف لقد غادر الشّيخ خطيب المسجد هذه القرية منذ عشرين عاما في ذلك الحين أنت الّذي لبيت طلب ذلك الشّيخ وأمرت بحفر بئرٍ وبناء هذا المسجد، وذلك الحين لم يكن هذا الغلام الّذي وجه لك ملاحظته قد وُلِدَ بعد! أنت لا تنسى ذلك اليوم الّذي توجهت فيه إلى المطار في رحلةٍ مستعجلةٍ ولكنَّ موظف المطار رفض أن يختم لك بالمغادرة متحجِّجا بورقةٍ ناقصةٍ في إجراءات سفرك يجب عليك إحضارها وتأجيلُ رحلتك! فنظرت إليه بصمتٍ مُريب وعيناك تقول له: أين كنت أيُّها الموظف عندما وقَّعتُ على عقد شراء مئات الطّائرات الصّاعدة والهابطة والرّابضة في هذا المطار؟ وبمنزلك المتواضع في قريتك الصّغيرة هبَّت عاصفةٌ فأوقعت بعض أعمدةِ الكهرباء على الأرض فانقطع التّيار ونمت على الظّلام، وعند الصّباح اتصلت بورشة صيانة الكهرباء فتماطلوا بتلبية شكواك وطلبك متأخرين ساعات وساعات وعند وقت العصر أقدموا إليك وأصلحوا الأعطال وأنت تُناظر إليهم من حديقة منزلك وتُتَّمتِمُ أنك أطحت بوزير الكهرباء السّابق؛ لقضية فسادٍ أقلَّ شأنًا من تأخيركم وأنك عينت وزير الكهرباء الجديد حتّى يكون أكثر أمانةً ونزاهةً! وبعد مسيرة الحياة الحافلة ها أنت قد بلغت من العمر أرذله متمدِّدا على فراش الموت وحيدا غريبا لست بين أهلك ويحيط بك أُناسٌ غرباء يزورونك عائدين وأنت تسمع أحدهم يهمس في أُذن من يُجانبه سائلًا: أَإِذا توفيَّ فأين سَيُدفن؟ فيجيبهُ المهموسُ: لا أعلم إن كانوا سيدفنونه هُنا أم في مكانٍ آخر! لقد كنت أيُّها الرَّجل متعبًا ومجهدًا ليس باستطاعتك أن تحرك لسانك وتردّ عليهم أنَّك أنت من دفع ثمن الأرض المحيطة بالمقبرة؛ لتوسعتها وفي ذلك الحين توفيَّ أجداد وآباءُ هذين الّذين يتسائلان في مصيرك أين ستُدفن وهم لا يعلمون عندما توفيَّ آباءهم وأجدادهم قد دُفِنوا في الأرض الّتي أنت وسَّعتها للمقبرة، ها أنت تغادر الحياة بذلك الوجه الّذي يتلائم مع مداركهم وعقولِهم المحدودة، ولم يحظوا بشرفِ النّظر إلى وجهكَ الآخرِ، ولم يستشعروا عظَمة مُصافحتِكَ بوجهك الآخر حتّى حيزت لك حياتين وأنتَ مُخضرمٌ بِوَجهينِ.
اسم المقالة: بِئسَ الحَدُّ السَّدْ.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: سياسيّة.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (39).
تاريخ النّشر: 3/12/3 أدبي.
تاريخ الإنسان منذ نزوله الأرض حافلٌ وقائمٌ على الأسفار والتّرحال والتّنقل بين الأمصار والأقطار ولهذه الحركة الإنسانية صفاتٌ وأسباب كثيرة فمن غايات الهجرة والسّفر غايّة لقمة العيش، وغايّة طلب العلم، وغايّة العلاج والاستشفاء، وغايّة العمل والتّجارة، وغايّة الغزوات والحروب، وغايّة السّياحة والاستكشاف، وغايّة البحث عن الأمان والاستقرار في أرضٍ ما هربًا من شرٍّ وخطر يتربص بالإنسان ويلمُّ به من خلفه فيهدد حياته، لم ينتشر الإنسان في أصقاع الأرض إلا من خلال الأسباب المذكورة، فتحركت أجيال الإنسان في كلِّ الاتجاهات التّرابيّة والبحريّة فهذه الحركة هي سنّةٌ ثابتة في الوجود الإنساني، وأما عن عصرنا هذا وتحديدًا في النّصف الثّاني من القرن العشرين أي بعد 1950 ف صرنا نرى ظاهرةً غريبةً عجيبةً ما شهدت لها أجيال أجدادنا ومن سبقهم، كما أرى وترون أنَّ الحدود السّياسيّة الوهميّة للدول تجاوزت مفهوم أنَّها مجرّد خربشات على الورق بقلم الرّصاص! بل إنَّ مفهوم الحدِّ السّياسي تطور معناه وارتقى إلى التّحول لسدٍّ منيعٍ لا يعبره إلا الهواء مع الحشرات! إنَّ هذا التّحول في مفهوم الحدِّ السّياسي وجعله سدًّا لهو خللٌ فكري في عقلية الدّول والأنظمة السّياسيّة سيعود وبالًا كارثيًا عليها بالتّتابع؛ لسببٍ وجيهٍ هو؛ لأنّهم خالفوا سنّة الحركة الإنسانيّة في الأرض، إنَّ مفهوم الحدِّ السّياسي لا ينبغي له أن يخرج عن كونه يمثّل النّطاق الجغرافي لسلطة ذلك الحكم السّياسي، وإلى هذا الحدِّ تقف حدود هذه السّلطة، وإلى هذا الحدِّ يرفرف آخر علم يمثّل هذه السّلطة، وإلى هذا الحدِّ يقف آخر جندي يحامي عن هذه السّلطة، عند هذا الحدِّ تقف جيوش الدّول المجاورة فلا تتجاوزه، هذا هو المعنى المنطقي للحدود السّياسيّة ولا شيء آخر! أمَّا الحركة البشريّة للإنسان فلا علاقة لها بتلك الحدود مطلقا، فلا يعني أنّي أحمل جنسية هذه الدّولة إذا لا يسمح لي أن أدخل تلك الدّولة! الأرض هي الأرض والسّماء هي السّماء والماء هو الماء والهواء هو الهواء والإنسان هو الإنسان وبين كلّ هذه المشتركات حدودك السّياسيّة أيّها الحاكم لا تعني شيئًا! وأيُّ إنسان على وجه الأرض له الأحقيّة في التّرحال والإقامة من غير وثيقة سفرٍ في أيِّ مكان يريده ويجد فيه مصلحته ويكتفي فقط بوثيقةٍ تثبت شخصيته والتّعريف به، ويحق لكلّ دولة أن تتحقق ممن يدخلها وعن سبب دخوله وعبوره وإقامته فيها، ولكن لا يحقّ لأيِّ دولةٍ أو أيّ نظامٍ سياسي أن يمنع أيّ إنسانٍ من الدّخول إلا إذا كان هذا الدّخول مشبوها من جهةٍ ما؛ لنوايا تمس أمن البلاد، وأكثر الأسباب الّتي تجبر النّاس دخول دول مجاورة وعبورها هي أسباب الحروب والملاحقات والأخطار كالمجاعات وغيرها، وفي مثّل هذه الحالات تجد بعض الدّول تصفُّ جنودها وجيوشها على حدودها السيّاسيّة فتتحول إلى سدودٍ في وجه المئات أو الآلاف أو الملايين الباحثين عن الأمان، إذا كان ذلك الرّئيس أو ذلك الملك أو ذلك السّلطان يخشى على حكمه من مجموعة من المستضعفين ويخشى على أمن دولته منهم فليسقط ذلك الحاكم ولتسحق تلك الدّولة فذلك الحاكم لا يستحق أن يكون حاكما وتلك البقعة الترابيّة لا تستحق أن تكون دولة، وكيف ستصمد دولة بجيشها وحكمها وزعيمها أمام غزوٍ أو حرب تُشنُّ عليها وهذه الدّولة تخشى استقبال بضعة آلاف أو ملايين من النّساء والأطفال والرّجال المسالمين الباحثين عن الحياة في هذه الأرض بصفة مؤقتة أو دائمة!، ومحور هذا المقال هو فقط في فتح الحدود لحالاة التّنقل الإنسانيّة السّلميّة، إنَّ الكثير من التّيارات المعارضة المتخلفة في دول العالم دائمًا ما تروج لدعايات ضد المهاجرين وضد الآجئين ويدّعون أنّ ملامح وجوه السّكان الأصليين بدأت تتغير، وأنّ المهاجرين صاروا سببًا في تغيير ثقافة البلد الّذي استقروا فيه، طبعا هذه الرّوايات والدّعايات تافهة؛ لأسباب كثيرة فمن الأسباب هي أنّ هذه الدّول هي جزء من المشكلة أصلا وليست مخرجًا أو حلًّا، هي جزء من المشكلة؛ لأنَّها لم تساهم بوضع حلول لهذا الشّعب الآجىء فيها قُبيل أن يصل إليها! هي جزء من المشكلة؛ لأنَّها كانت سببًا في سرقة ثروة هذا الشّعب وإفلاسه؛ لأنَّها كانت سببًا في إشعال فتيل حربٍ أجبرت هذا الشّعب على الهرب للخارج، فيجب على الدّول أن تتحمل مسؤليتها في استقبال الملايين من الشّعوب المنكوبة، وأيضًا من أسباب تفاهة تلك الدّعايات أنَّ الأخطار على الدّول والأنظمة الحاكمة أكثرها تأتيها من داخلها لا من خارجها، فمن الخارج لا خطر إلا بالغزو الواضح وبالحرب المعلنة من دولة معاديّة أو من دول معاديّة، إنَّ الدّول قتلت نفسها بنفسها لمّا حوّلت حدودها إلى سدود، الجنسيّة والمواطنة والتّمتع بالخدمات العامّة وممارسة النّشاطات بالقوانين هي حقوق كلّ الدّول في أن تفرضها ضمن النّطاق الجغرافي لسلطتها، أمّا المنع من الدّخول والتّنقل الإنساني فهذه عادة مخالفة للحياة الإنسانيّة.
كما أنا ولدتُ أنتَ ولدتَ وأنتِ ولدتِ، كذلك الأنبياء والرّسل والأجداد ولِدوا، ولِدنا جميعا نحن بني البشر إلى هذا الرّحم الكبير الضّيق، ولِدنا في هذا الرّحم الّذي تعلوه سماء زرقاء سوداء، ومناخه حارٌ بارد، وإحساسه مبهج محزن، ومزاجه هادىء غاضب، هو الرّحم الذي سنخرج منه في يوم قادم لا محالة، وما رحم الأمِّ وما رحم الدّنيا وما رحم الأرض إلا أرحام نتنقل فيها نحن ومن سبقنا حتّى يأتي ذلك اليوم الّذي نولد فيه من رحم الأرض الّتي ولِد منها أبونا الأول، لا فرق بين الأرحام الثّلاثة! وما الإنسان في رحم أُمّه إلا روح في جسد ضعيف عاجز لا يقدر على شيء، وما الإنسان في رحم الأرض إلا جسد تلاشت أوصاله عاجز لا يقدر على شيء، وهذه الدّنيا ليست سوى رحمٌ بين رحمين كذلك الجسد فيها عاجزٌ لا يقدر على شي، لا يقدر أن يُطعم نفسه عندما يصفعه الجوع، ولا يقدر أن يسقي نفسه عندما يصفعه العطش، أن تكون بجسد حيٍّ فيه روحٌ لا يعني أنّك ستقدر على أيِّ شيءٍ فلا تخدع نفسك كثيرا بتلك القوى الزّائفة الّتي تراها في قبضتك، في أيِّ لحظة أنت مؤهل للسقوط من رحم الدّنيا إلى رحم الأرض، أجسادنا في هذه الدّنيا ليست سوى أجسادًا مُهانةً لا كرامة لها! ما الّذي يدعونا لنفتخر وننتصر لهذه الأجساد المُهانة! أين كرامة الدّنيا لهذا الجسد الّذي يحيَّى فيها مئة عام مكافحا مناضلا عاملا محاذرًا الأخطار متعبّدًا متنسكًا متحفظًا وإذ ما غادرته الرُوح الآن تلفظه الدّنيا وتتنكر له وكأنّه ما كافح لها ولا كأنّه أحبّها! فلا يقدر ذلك الجسد على أن يتماسك أكثر من يومٍ واحد ويحافظ على ذاته من غير روح، لم تُكرِم الدّنيا ذلك الجسد في بقاءه بضعة شهورٍ كردِ جميلٍ واحدٍ من الجمائل الّتي منحها ذلك الجسد إلى تلك الدّنيا! هذا هو جزاء الدّنيا لتمسكنا بالبقاء فيها تخدعنا عند القدوم إليها حتّى نتمسك بها فإذا ما غادرت الرّوح الجسد قالت للجسد لا مكان لك عندي! هكذا تهان أجسادنا بعد الموت، أمّا في رحم الدّنيا فهي أيضًا مُهانة، مُهانةٌ بتطفُّل الأمراض فيها وبعبث أيادي الأطباء فيها، مُهانةٌ أجسادنا بعبث أيادي الجلادين والسّجانين فيها، مُهانةٌ أجسادنا بعبث شياطين الجن والإنس فيها بالفجور والمعاصي، لا كرامة لهذا الجسد لا في رحم الأمّ ولا في رحم الدّنيا ولا في رحم الأرض، لا تنظر العين ولا يسرح الفكر إلا إلى تلك الحياة وإلى ذلك الجسد الشَبابي الجديد الّذي سينهض من رحم الأرض للبقاء والخلود، ذلك الجسد الّذي لم تلمسه أيَّة يد ولم يعبث به أحدٌ، ذلك الجسد الّذي ينهض لا مرض فيه ولا نقص فيه ولا تشوه فيه، ذلك الجسد المكتوب له أن يبقى ويحيّا ولو من غير ماء أو طعام، أعطانا الله فرصة في هذه الدّنيا لنكرم أجسادنا الجديدة بحياة تليق بها تعويضا عن هذه الانتهاكات الّتي وقعت بها أجسادنا في الدّنيا، جسدٌ جديد ينهض من رحم الأرض منطلقا متدرِّجا إلى أبواب الجنّة، جسدٌ جديد إلى حياة أبديّة جديدة، تلك هي ولادتنا الحقيقية في حياتنا الحقيقية، فشتان شتان ما بين ولادة جسدٍ مهانٍ مصيره الرّميم، وبين ولادة جسدٍ مكرّمٍ مصيره البقاء والخلود، وشتان شتان ما بين حياة واقعها وهمٌ وحقيقتها سراب، وبين حياة واقعها واقع وحقيقتها يقين، المقارنة بين الحياتين كمن يقارن بين الصّدق والكذب! سنمضي ونحن نرتدي هذي الأجساد المهانة في حياة السّراب إلى أن ننهض من جديد من رحم التّراب حيث البقاء ما له من غياب، فلنكرم أجسادنا الّتي سنُبعث بها وأن نحرص على ألا نهينها مرَّة أخرى بألسنة اللهب والسّياط، إهانة أجسادنا فرضت علينا في الدّنيا لكنّ مصير إهانتها وإكرامها في الآخرة مرهونةٌ بقرارنا، من الدّنيا نمضي إلى الله وإلى جنّة الله.
راودني هذا المقال لمّا احتار ذهني من الفارق الشّاسع في كلّ ما أقرأه وفي كلّ ما أراه على أرض الواقع، فكانت الأسئلة: كم من الصّحافة تقرأ كلّ يوم؟ وكم من المقالات الصّوتيّة تستمع إليها كلّ إسبوع، وكم كاتب في بلادك؟ أسئلة تكاد لا تنتهي... حيث أنّ العيون زاغت من كثرة القراءة، ورؤوسنا تتصدّع مما نقرأه في الكتب وعلى مواقع تواصل الشّاشة كلّ يوم، والكُتّاب الّذين يُصْدِرون لأنفسهم كتبا تراها أمامك في المعارض وفي المكتبات وعلى البسطات وعلى الأرصفة، أولئك الكُتّاب الصّغار الّذين يلتقطون الصّور مع كتابهم الوحيد الذي لم يصدر غيره لهم، ويدعون النّاس لأن تتصور مع كتابهم هذا! لا أدري لماذا يروج الكاتب لكتابه في كلّ مكان في حين أنّ دار النّشر الّتي تعاقد معها الكاتب هي من تتولى هذه المهمّة التّجارية! يُشعرك ذلك الكاتب أو تشعرك تلك الكاتبة أن كتابه أو كتابها هو الكتاب الوحيد في العالم! والّذي يحيّرني أنّه كلما نشروا سطرا منه أو اقتباسا يرفقون مع تلك الكلمتين صورة غلاف الكتاب! يا إخوان ثقلوا أنفسكم قليلا ولا داعٍ لتلكمِ الحركات! نعود لموضوعنا... هؤلاء الكُتّاب هم توأم المشاهير على الانستغرام فأولئك المشاهير سلكوا طريق الفن وهؤلاء الكتَّاب سلكوا طريق الكتابة لكن كِلا الصّنفين تجري في دمائهم هرمونات الشّهرة، وصنف آخر من هؤلاء الكُتّاب أكثر خطورة وعن كُتّاب لوحة المفاتيح "كُتّاب الكيبورد" أتحدث، الّذين لا يكتبون إلا على الشّاشة ولا تعرف أصابعهم طريقا إلى الورقة والقلم! جلُّ تلكمِ الأصناف من الكُتّاب لا تعدوا أكثر من غبار ثقافي يحتاج لتراكمات من سنينٍ عديدة ليتكون منه ترابا ثقافيا، وهذا تصنيف مهمّ لكلا الطّرفين للكاتب المصدِّر وللقارىء المستورد، إن كنت يا من تقرأ مقالي هذا كاتبا فهل تصنّف نفسك من غبار الثّقافة أم من ترابها؟ طبعا ستحتار في الإجابة أعلم ذلك.. في حين أنّه يمكنك تصنيف نفسك في خانة الغبار الثّقافي أو خانة التّراب الثّقافي من خلال انعكاس ما تكتبه على تغيير واقع الحياة أو تغيير شيء ولو يسير منها، هل تعلم عزيزي الكاتب الصّغير عزيزتي الكاتبة الصّغيرة أن مقالا من عشرين سطرا يكتبه صحفي في جريدة يوميّة عن أسباب ارتفاع ثمن كيلو البندورة أو البطاطا فاضحا فسادا لوزيرٍ أو لمسئولٍ كبير قد يطيح من منصبه ويهوى سعر الخضار إلى النّصف بسبب ذلك المقال، هل تعلم أن هذا المقال الصّحفي هو خير من كتابك الّذي تتفاخر لنا به في كلّ زقاق وعلى أرصفة مواقع التّواصل والتّطاول! صحيح أنّ انخفاض سعر كيلو البندورة شيء قد لا يكون مهمّا لك لكنّه مهمٌّ لشريحة 99% من الشّعب، فهل كان لكتابك أثر في تغيير شيء في الواقع يعادل مقالا قصيرا سبّب خفضا لسعر كيلو البندورة؟ هل أدَّت تغريدتك من الثّمانين حرفا إلى إصلاح ذا البين بين شعبين مختلفين؟ هل من تغيير إيجابي في سلوك شاب أو فتاة كان سببه قراءة صفحة من كتابك المؤلف من 450 صفحة؟ إذا كان هناك شيء مما تروجه في كتاباتك أدى إلى شيء من ذلك التّغيير الإيجابي في أي مجال كان وعلى مستوى أيّ شخصٍ كان إذا أنت تستحق لقب كاتب التّغيير وكلّ ما تكتبه هو تراب ثقافي بامتياز، فيما لو كانت حساباتك التي تنشر فيها منذ عشر سنوات لم تؤدِ إلى أي صدى في تغيير جزيئيات هذا الواقع لنقلة حياتيّة إيجابية، فبكلّ أسف أخبرك عزيزي الكاتب عزيزتي الكاتبة أن ما تكتبونه هو غبار ثقافي تزيله مسحة قماش أو نفخة هواء، وسبب ذلك أنكم لم تتعبوا ولم تدَّخروا جهدا في ما تكتبون، لا تحدّثني عن مقالاتك الكثيرة ولا تحدّثني عن قصصك القصيرة والطّويلة ولا تحدّثني عن التّحرير في السّلامة النّحوية والإملائية في ما تكتب، ولا تحدثني عن نباهتك في عدم نسيانك لأيّة علامة ترقيم بين السّطور، كلّ ما سبق ليس شيئا من تعب الكاتب إنما هي مجرّد تقنيّات كتابيّة أنت مطالب بها ولو لم تكن كاتبا أصلا، وكلّ شخص ينتمي لأية لغة هو مطالب بإجادة هذه التّقنيات فلا تتمنن علينا بهذا الأمر، ولكن تعب الكاتب في كتاباته هو في أن ينفخ روح القوة في تلكم الكلمات حتّى تخرج تلك الكلمات للقارىء أجنِّة نابضة بالحياة فتقع في أذهان من لهم القوة والسّلطان أو في أذهان من يتهيئون التّمكين والبأس فما تزال كلماتك دامغة تنمو وتشتّد في عقولهم وقلوبهم حتّى يجعلوها واقعا فيومئذ سترى أيها الكاتب أيتها الكاتبة سترون الكلمة هي اليد هي السلاح هي القنبلة هي السّلطة هي القوة، هذا هو التّعب الذي يتعبه رواد الكتابة لا شيء غيره، ويا من تقرأ أو تقرأين مقالي هذا: لو كنتم من أصناف محبي القراءة والمطالعة هل سألتم أنفسكم أتقرأون لتكونوا أدوات تغيير لكتّابكم؟ أم تطالعون وتقرأون لتكون رؤوسكم محفظة بنكيّة لأسماء كتبهم وعناوين كتبهم ولتقليب الصّفحات وعدِّها ثمّ تنضيدها على الرّفوف؟ إعلم أيّها القارىء أيّتها القارئة أنكم في نظر كتّابكم عبارة عن بذور لتغيير الواقع إما لأسوء أو لأفضل على حسب ما تقرأون، واعلموا أنّكم أدوات لتغيير ما لم يستطع كتّابكم تغييره، وربما كان هذا التّغيير اليوم أو غد أو بعد غد والزّمن للتغيير لا يهمّ الكاتب حتّى ولو جاء التّغيير بعد مماته بألف عام، الّذي يهمّ الكاتب أنّكم بذوره الّتي سقاها من ماء كلماته، واعلموا أن البذور محال أن تنبت في الغبار فتخيروا ممّن تقرأون، فالكاتب التّرابي لا يشبهه إلا شجرة باسقة تتشعّب جذورها في ترابه، والكاتب الغباري لا يشبهه إلا طحلب أخضر يغير لون ورائحة وطعم الماء النّقي الصّافي إلى ماء ناتن آسن، فكان هذا باختصار مقعد كلّ كاتب تختار الجلوس معه لتنظيرٍ أو لتغييرٍ.