اسم المقالة: مُستَودَعاتٌ كَاسِدَة.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: توعوية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (42).
تاريخ النّشر: 4/2/24 أدبي.
نوع المقالة: توعوية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (42).
تاريخ النّشر: 4/2/24 أدبي.
ما إن تدخل متجرا يبيع العسل وتجد فيه طلبك ولكن لا يوجد إلا وعاء واحد منه فقط! وأنت تريد أكثر من ذلك، يردّ عليك البائع قائلا عندي الكميّة الّتي تريدها موجودة في مستودع الدّكان، ومثل ذلك لو دخلت مكتبةً؛ لتقتني كتابا وتريدُ أكثر من نسخة وليس المعروض فيها إلا نسخة واحدة! سيجيبك بائع الكتب قائلا أنّ لديّه المزيد من نسخ هذا الكتاب في مستودع المكتبة، والمستودع هو شيء أساس في تخزين كميّة المواد التي تموّل الطّلبات والمبيعات وما الدّكان إلا واجهة أنيقة للعرض والنّظر، وهكذا هي اللغات إنما هي مستودعات تحوي بضاعتها من كميّة التّراث والمفردات والمؤلفات والسّجلات على تراكمات تمتّد لمئات السّنين وربّما أكثر، وتتباين كميّة محتويات مستودعات اللغات فلكلّ لغة كميّة خاصّة متراكمة في مستودعاتها، وإنّ عظمة اللغة تكمن في كميّة ما يحتويه مستودعها ونشاط وتنافس الطّلب عليه، وهذا ما يصنع من اللغة قوة قطبيّة ثقافيّة في العالم تفرض ذاتها على غيرها من اللغات، وما فائدة مستودع فيه الطّلب على عشرة منتجات فقط من مليون منتج لا تسويق لها في أسواق التّجارة اللغويّة والثّقافيّة في العالم ولا أحد يطلب شيئا من تلك البضاعة! ندخل الآن في صلب المقال: إن شعوب العالم اليوم ترهق بعضها وتذلّ بعضها؛ لأجل طموحات عنصريّة مريضة وأتحدّث هنا عن لغة وعن شعب آخر لا ينتمي إليها، ولا يعنيني في هذا المقال علاقة أي شعب بلغته، ولا أريد أن يحدثني أحد عن عظمة لغته وفخامتها وعراقتها وآدابها فهذا لا يعنيني، ويتصدّر العالم اليوم في أسواق الطّلبات اللغويّة عدّة لغات معدودة على الأصابع ومئات لغات العالم هي مسحوقة ومنسيّة رغم وجودها القديم ورغم أنّها لغات شعوب ولغات حكومات سياسيّة إلا أنّها منسيّة، في حين أنّ قوة اللغة اليوم ليست في ملايين مفرداتها ولا في سهولة أو صعوبة قواعدها، إنما القيمة المُثلى للغة هي في حاجة البشر إليها ليُقوِّموا بها مصالح دنياهم، وهذه هي حقيقة قوة اللغة وهيمنتها فقط لا غير، فاللغة الإنكليزيّة فرضت نفسها عالميًّا من مدخل العلم، واللغة العربيّة تفرض نفسها من مدخل أنّها لغة دين للمسلمين، فكلّ لغة لديها ورقة رابحة تروج بها؛ لذاتها، وأيّة لغة لا تمتلك ورقة رابحة لن تكون إلا كلهجة محليّة تخصُّ مجتمعًا خاصًا بها لا تتعداه، فما أهميّة اللغة الفرنسيّة في العالم؟ صفر، وما أهمية اللغة العبريّة في العالم؟ صفر، وما أهمية اللغة الفارسيّة في العالم؟ صفر، واللغة الهنديّة والتركيّة والأثيوبيّة جميعها أصفار متلاحقة على اليسار، ولا تزال مستودعات هذه اللغات تتراكم فيها البضائع الكاسِدة الّتي لن يقتنيها ولن يشتريها أحد، إلا إذا تحولت للترجمة وما التّرجمة إلا دكان صِرافة؛ لتحويل القيمة المُباعة إلى قيمة أعلى أو أدني كدكاكين صِيرفة النّقود تمامًا، وهنا تكون عملية الاحتيال العظيمة التي لا أرى أحدًا يتكلم عنها، فإذا أتينا بكتاب مصدره أيّة لغة ميتة كالفرنسيّة والفارسيّة والعبريّة والتركيّة والأثيوبيّة ووضعنا هذا الكتاب باللغات المذكورة في مكتبة فسيبقى هذا الكتاب معروضا ولن يشتريه إلا من تتنسب لهم لغة الكتاب ، ولو أتينا بنسخة من هذا الكتاب مترجمة إلى الإنكليزية فإن معظم النّاس ستقتنيه حتّى لو لم تكن الإنكليزية لغتهم الأصلية ربما يكون المشتري هنديًّا أو صينيًّا أو مكسيكيًّا!، إن الواضح من هذه العملية أنّها ليست مجرد سرقة ثقافية فحسب، إنما هي أيضا هي سرقة لها بعد تجاري واقتصادي! ونتيجة ذلك تتم السّرقة الفكريّة لجهود الشّعوب مع سرقة تجاريّة لأفكارهم من غير مقابل وعلى هذه الأسُس تُبنى الدّول النّاطقة بالإنكليزية حضاراتها العلميّة! ويضاف إلى كلّ تلك المسروقات أن الشّعوب النّاطقة بالإنكليزيّة تأتيها البيانات والمؤلفات والابتكارات والعلوم من جميع دول العالم جاهزة باللغة الإنكليزيّة وهي تستقبلها وتأخذ منها ما تشاء من غير تعب؛ لأن جميع الوارد إليها مترجم إلى لغتها! بينما الغير ناطقين بالإنكليزيّة يحتاجون إلى تعب سنين حتّى يجيدوها ومهما أجادوها فلن يصلوا إلى درجة إجادة أهلها الأصليين لها، والعجيب في الأمر أنّ العالم استطاع توحيد شعوبه على لغات كثيرة كلنا يفهم معناها رغم اختلاف لغاتنا ولهجاتنا، فلغة الشاخصات المروريّة هي لغة بصريّة عالميّة، ولغة النوتات الموسيقيّة لغة سمعيّة عالميّة، لغة الإشارة لغة صامتة عالميّة، لغة الأرقام والكيمياء والفيزياء لغة حسابات ورياضيات عالميّة، والألعاب الرياضيّة مبادئها وقوانينها عالميّة، حتّى رموز الإماءات والإموجي لغة عالميّة، وعلامات التّرقيم التّحريريّة كذلك هي رموز عالميّة، ويعجز العالم عن توحيد البشر على لغة تواصل واحدة كتابيّة يستطيع جميع البشر الكتابة عليها، وتكون تلك اللغة المكتوبة هي المستودع العالمي الّذي يمتلىء ببضاعة العالم على رغم اختلاف اللغات، لقد حان الوقت؛ ليتنازل الجميع عن عنصرياتهم التّراثيّة ومفاخرهم القوميّة وأطماعهم الاستعماريّة؛ لأجل حياة أكثر سهولة وواقع أكثر سلاسة لا نحتاج فيه لمحلات صِرافة للترجمة وعمليات الغسيل والتّبييض الاحتيالي لجهود الشّعوب الفكريّة والثّقافيّة، وحان الأوان؛ لِتتحول البضاعة الكاسدة في مستودعات لغاتها المنسيّة إلى مستودعٍ واحد ٍيكون في تلبية طلب أي إنسان في العالم.

ليست هناك تعليقات