مُخَضْرَمٌ بِوَجْهِيْنِ - محمد الواكد مُخَضْرَمٌ بِوَجْهِيْنِ - محمد الواكد

    أيقونات صفحات التواصل الإجتماعي

                                       
❞ بعد الوصول إلى هذا المستنقع الآسن بالفتن والهلاك حان دور الأدباء في هندسة المجتمعات وفق رؤيتهم الّتي يخطُونها على الورق ❝
❞الكُتَّاب ثلاثة: كاتبٌ يكتب حتّى يرى النّاس ما في رأسه من خيال، وكاتبٌ يكتب واقعًا يعيشه النّاس ولا يعرفون من كتب لهم هذا الشّقاء أو هذا الرّخاء، وكاتبٌ يكتب واقعا افتراضيًّا يعيشه الممثلون في ساعات تمثيلهم؛ لأعمال مسلسلاتهم وأفلامهم وهذا الصّنف يتوسط الصّنفين السّابقين❝

 

اسم المقالة: مُخَضْرَمٌ  بِوَجْهِيْنِ.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: واقعية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (40).
تاريخ النّشر: 3/12/7 أدبي.


ترتجل صباحا طريقك؛ لقضاء واجباتك اليومية والتزاماتك، تتمشى بين الخلائق والنّاس فلا يكترث لك أحدٌ، ولا يُصوِّب عينه عليك أحدٌ إلا من عرفك ردَّ عليك السّلام، وأكثرهم لم يعلموا أنَّك حاكمُهم! تدخل المتجر وتشتري ما يلزمُ من الطّعام ومشتقاتهِ، وعلى نافذة الحساب تنتظر أن يحين دورك؛ لدفع ثمن ما اشتريتَ، تعبرُ الشّارع إلى شباك بيع تذاكر المواصلات فتستقلّ حافلةً أو قطارًا وتجلس بينَ وحول كثيرٍ من النّاس لا يُراعون وجودك بينهم كأنّك تجلس وحدك! فلا بائع المتجر ولا بائع التّذاكر خصموا أو أعفوك من ثمن جزءٍ قِبال ما اشتريت وأخذت! لا تنتظر منهم حسن معاملةٍ كهذي فلم يصلهم نبأ حفنة الأموال الّتي دخلت جيوبهم أنّها خرجت من خزائنِ ثرواتك وكنوزك! يقفُ على جانبك الأيمنِ جنديين ممشوقي القامة وأحدهم بالكاد يمرقك بطرف عينه ثمَّ يُغرِب وجههُ عنك كأنّك لا شيءَ أمامه! لا تعتب عليه إن لم يُبدِ لك الاحترام فما أحدٌ من الجنرالات الكِبار أخبره أنّ الجيش الّذي يعمل به هذا الجندي، أنت من أسَّسه وشكّل قِطعهُ وصفَّ رُتبهُ ووزَّع فيه الأوسمة والنّياشين! يتغنون أمامك بالحرِّية ويكيلون لك التّهديد يلي التّهديد إذا ما صرت مسؤولا في البلاد أنَّك ستدفع ثمنًا باهظًا إن حاولت قمع حرِّتهم أو أخرست صوتهم! لم يقرأوا من قبلُ اسمك معنونًا بالخط العريض في الصّحفِ أنك أنت أول من قبض الفأس وهدم السّجون وقطَّع الأغلال وحرر الإنسان وأطلق الكلمة! يُلمِّح إليك ذلك المُزارع البستاني لمّا مشيت محاذيًّا بستانه قائلًا لك: لا تقطف شيئًا من عناقيد العنبِ ولا ذاك التِّينِ فبالأمس رُشَّت بالمبيد فأخشى عليك أن تتسمَّمَ  أو تُصاب بمكروهٍ! وفي مَقصده المُبطَّن لا تمدَّنَّ يديكَ وتسرق شيئًا من بستاني! فهم الرّجلُ مَقصده وهزّ رأسهُ يحاكي نفسه بصوت خافتٍ يا صاحب البستان: يا صاحب البستان: لو لم يشبع النّاس في عهدي بعد أن قتلتُ الجوع ولو لم أقطع يد السّارقين ما كنت لترى بستانك هذا ولن تملكه! وفي تلك السّهول البعيدة نفذ الماء في قربتك الصّغيرة فعاينت إلى جهة المشرق بالكاد ترى مئذنة مسجدٍ بعيدةً عنك بضعة أميالٍ، أخذت متوجها إليها وخطوةً بعد خطوةٍ تراك تشاهد قرية صغيرةً فلمّا وصلتها دخلت باب مسجدها فتوضئت ثمَّ الصَّلاة أقمت وحينما خرجت أخذت قِربتك الفارغة ووضعتها تحت حنفية ماءٍ تتبع للمسجدِ حينها مرّ جانبك أحدهم ملاحظًا لك يقول: أنزِل القِربةَ لِأسفلٍ فهكذا ستُكسَرُ الحنفيةُ! فكأنَّما لم يرُق له أن يشاهد غريبا يتطفَّل على ماءٍ سبيلٍ في مسجد قريته! للأسف لقد غادر الشّيخ خطيب المسجد هذه القرية منذ عشرين عاما في ذلك الحين أنت الّذي لبيت طلب ذلك الشّيخ وأمرت بحفر بئرٍ وبناء هذا المسجد، وذلك الحين لم يكن هذا الغلام الّذي وجه لك ملاحظته قد وُلِدَ بعد! أنت لا تنسى ذلك اليوم الّذي توجهت فيه إلى المطار في رحلةٍ مستعجلةٍ ولكنَّ موظف المطار رفض أن يختم لك بالمغادرة متحجِّجا بورقةٍ ناقصةٍ في إجراءات سفرك يجب عليك إحضارها وتأجيلُ رحلتك! فنظرت إليه بصمتٍ مُريب وعيناك تقول له: أين كنت أيُّها الموظف عندما وقَّعتُ على عقد شراء مئات الطّائرات الصّاعدة والهابطة والرّابضة في هذا المطار؟ وبمنزلك المتواضع في قريتك الصّغيرة هبَّت عاصفةٌ فأوقعت بعض أعمدةِ الكهرباء على الأرض فانقطع التّيار ونمت على الظّلام، وعند الصّباح اتصلت بورشة صيانة الكهرباء فتماطلوا بتلبية شكواك وطلبك متأخرين ساعات وساعات وعند وقت العصر أقدموا إليك وأصلحوا الأعطال وأنت تُناظر إليهم من حديقة منزلك وتُتَّمتِمُ أنك أطحت بوزير الكهرباء السّابق؛ لقضية فسادٍ أقلَّ شأنًا من تأخيركم وأنك عينت وزير الكهرباء الجديد حتّى يكون أكثر أمانةً ونزاهةً! وبعد مسيرة الحياة الحافلة ها أنت قد بلغت من العمر أرذله متمدِّدا على فراش الموت وحيدا غريبا لست بين أهلك ويحيط بك أُناسٌ غرباء يزورونك عائدين وأنت تسمع أحدهم يهمس في أُذن من يُجانبه سائلًا: أَإِذا توفيَّ فأين سَيُدفن؟ فيجيبهُ المهموسُ: لا أعلم إن كانوا سيدفنونه هُنا أم في مكانٍ آخر! لقد كنت أيُّها الرَّجل متعبًا ومجهدًا ليس باستطاعتك أن تحرك لسانك وتردّ عليهم أنَّك أنت من دفع ثمن الأرض المحيطة بالمقبرة؛ لتوسعتها وفي ذلك الحين توفيَّ أجداد وآباءُ هذين الّذين يتسائلان في مصيرك أين ستُدفن وهم لا يعلمون عندما توفيَّ آباءهم وأجدادهم قد دُفِنوا في الأرض الّتي أنت وسَّعتها للمقبرة، ها أنت تغادر الحياة بذلك الوجه الّذي يتلائم مع مداركهم وعقولِهم المحدودة، ولم يحظوا بشرفِ النّظر إلى وجهكَ الآخرِ، ولم يستشعروا عظَمة مُصافحتِكَ بوجهك الآخر حتّى حيزت لك حياتين وأنتَ مُخضرمٌ بِوَجهينِ.


مُخَضْرَمٌ بِوَجْهِيْنِ

 

اسم المقالة: مُخَضْرَمٌ  بِوَجْهِيْنِ.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: واقعية.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (40).
تاريخ النّشر: 3/12/7 أدبي.


ترتجل صباحا طريقك؛ لقضاء واجباتك اليومية والتزاماتك، تتمشى بين الخلائق والنّاس فلا يكترث لك أحدٌ، ولا يُصوِّب عينه عليك أحدٌ إلا من عرفك ردَّ عليك السّلام، وأكثرهم لم يعلموا أنَّك حاكمُهم! تدخل المتجر وتشتري ما يلزمُ من الطّعام ومشتقاتهِ، وعلى نافذة الحساب تنتظر أن يحين دورك؛ لدفع ثمن ما اشتريتَ، تعبرُ الشّارع إلى شباك بيع تذاكر المواصلات فتستقلّ حافلةً أو قطارًا وتجلس بينَ وحول كثيرٍ من النّاس لا يُراعون وجودك بينهم كأنّك تجلس وحدك! فلا بائع المتجر ولا بائع التّذاكر خصموا أو أعفوك من ثمن جزءٍ قِبال ما اشتريت وأخذت! لا تنتظر منهم حسن معاملةٍ كهذي فلم يصلهم نبأ حفنة الأموال الّتي دخلت جيوبهم أنّها خرجت من خزائنِ ثرواتك وكنوزك! يقفُ على جانبك الأيمنِ جنديين ممشوقي القامة وأحدهم بالكاد يمرقك بطرف عينه ثمَّ يُغرِب وجههُ عنك كأنّك لا شيءَ أمامه! لا تعتب عليه إن لم يُبدِ لك الاحترام فما أحدٌ من الجنرالات الكِبار أخبره أنّ الجيش الّذي يعمل به هذا الجندي، أنت من أسَّسه وشكّل قِطعهُ وصفَّ رُتبهُ ووزَّع فيه الأوسمة والنّياشين! يتغنون أمامك بالحرِّية ويكيلون لك التّهديد يلي التّهديد إذا ما صرت مسؤولا في البلاد أنَّك ستدفع ثمنًا باهظًا إن حاولت قمع حرِّتهم أو أخرست صوتهم! لم يقرأوا من قبلُ اسمك معنونًا بالخط العريض في الصّحفِ أنك أنت أول من قبض الفأس وهدم السّجون وقطَّع الأغلال وحرر الإنسان وأطلق الكلمة! يُلمِّح إليك ذلك المُزارع البستاني لمّا مشيت محاذيًّا بستانه قائلًا لك: لا تقطف شيئًا من عناقيد العنبِ ولا ذاك التِّينِ فبالأمس رُشَّت بالمبيد فأخشى عليك أن تتسمَّمَ  أو تُصاب بمكروهٍ! وفي مَقصده المُبطَّن لا تمدَّنَّ يديكَ وتسرق شيئًا من بستاني! فهم الرّجلُ مَقصده وهزّ رأسهُ يحاكي نفسه بصوت خافتٍ يا صاحب البستان: يا صاحب البستان: لو لم يشبع النّاس في عهدي بعد أن قتلتُ الجوع ولو لم أقطع يد السّارقين ما كنت لترى بستانك هذا ولن تملكه! وفي تلك السّهول البعيدة نفذ الماء في قربتك الصّغيرة فعاينت إلى جهة المشرق بالكاد ترى مئذنة مسجدٍ بعيدةً عنك بضعة أميالٍ، أخذت متوجها إليها وخطوةً بعد خطوةٍ تراك تشاهد قرية صغيرةً فلمّا وصلتها دخلت باب مسجدها فتوضئت ثمَّ الصَّلاة أقمت وحينما خرجت أخذت قِربتك الفارغة ووضعتها تحت حنفية ماءٍ تتبع للمسجدِ حينها مرّ جانبك أحدهم ملاحظًا لك يقول: أنزِل القِربةَ لِأسفلٍ فهكذا ستُكسَرُ الحنفيةُ! فكأنَّما لم يرُق له أن يشاهد غريبا يتطفَّل على ماءٍ سبيلٍ في مسجد قريته! للأسف لقد غادر الشّيخ خطيب المسجد هذه القرية منذ عشرين عاما في ذلك الحين أنت الّذي لبيت طلب ذلك الشّيخ وأمرت بحفر بئرٍ وبناء هذا المسجد، وذلك الحين لم يكن هذا الغلام الّذي وجه لك ملاحظته قد وُلِدَ بعد! أنت لا تنسى ذلك اليوم الّذي توجهت فيه إلى المطار في رحلةٍ مستعجلةٍ ولكنَّ موظف المطار رفض أن يختم لك بالمغادرة متحجِّجا بورقةٍ ناقصةٍ في إجراءات سفرك يجب عليك إحضارها وتأجيلُ رحلتك! فنظرت إليه بصمتٍ مُريب وعيناك تقول له: أين كنت أيُّها الموظف عندما وقَّعتُ على عقد شراء مئات الطّائرات الصّاعدة والهابطة والرّابضة في هذا المطار؟ وبمنزلك المتواضع في قريتك الصّغيرة هبَّت عاصفةٌ فأوقعت بعض أعمدةِ الكهرباء على الأرض فانقطع التّيار ونمت على الظّلام، وعند الصّباح اتصلت بورشة صيانة الكهرباء فتماطلوا بتلبية شكواك وطلبك متأخرين ساعات وساعات وعند وقت العصر أقدموا إليك وأصلحوا الأعطال وأنت تُناظر إليهم من حديقة منزلك وتُتَّمتِمُ أنك أطحت بوزير الكهرباء السّابق؛ لقضية فسادٍ أقلَّ شأنًا من تأخيركم وأنك عينت وزير الكهرباء الجديد حتّى يكون أكثر أمانةً ونزاهةً! وبعد مسيرة الحياة الحافلة ها أنت قد بلغت من العمر أرذله متمدِّدا على فراش الموت وحيدا غريبا لست بين أهلك ويحيط بك أُناسٌ غرباء يزورونك عائدين وأنت تسمع أحدهم يهمس في أُذن من يُجانبه سائلًا: أَإِذا توفيَّ فأين سَيُدفن؟ فيجيبهُ المهموسُ: لا أعلم إن كانوا سيدفنونه هُنا أم في مكانٍ آخر! لقد كنت أيُّها الرَّجل متعبًا ومجهدًا ليس باستطاعتك أن تحرك لسانك وتردّ عليهم أنَّك أنت من دفع ثمن الأرض المحيطة بالمقبرة؛ لتوسعتها وفي ذلك الحين توفيَّ أجداد وآباءُ هذين الّذين يتسائلان في مصيرك أين ستُدفن وهم لا يعلمون عندما توفيَّ آباءهم وأجدادهم قد دُفِنوا في الأرض الّتي أنت وسَّعتها للمقبرة، ها أنت تغادر الحياة بذلك الوجه الّذي يتلائم مع مداركهم وعقولِهم المحدودة، ولم يحظوا بشرفِ النّظر إلى وجهكَ الآخرِ، ولم يستشعروا عظَمة مُصافحتِكَ بوجهك الآخر حتّى حيزت لك حياتين وأنتَ مُخضرمٌ بِوَجهينِ.


ليست هناك تعليقات