اسم المقالة: أعوامٌ دونَ أعلامٍ وأنغامٍ.
مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: سياسيّة.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (31).
تاريخ النّشر: 2/7/12 أدبي.
هكذا كانت البدايّة حينما برق سايكس إلى سفارة انكلترا في القاهرة مكتوبًا على عُجالة في مشروع طرح فكرة ألوان راية الثّورة العربيّة الكبرى المتمثلة ألوانها في الأحمر والأسود والأخضر والأبيض، في الحقيقة لا أدري كيف قَبِل الشّريف حُسين وأزلامه أن تكون ألوان رايته من تصميم العدو الدّاعم! تخيلوا أنّ العرب ذاك الوقت كانت عاجزة سيادتهم في رفع رايّة يصممونها هم بحريتهم فكيف ستكون لهم سيادة في فرض رؤيتهم الثّوريّة والإعداد لمرحلة ما بعد الثّورة ورسم الخارطة الجيوسياسيّة لإقليم حكمهم! وهنا ندرك يقنًا أن الثّورة العربيّة الكبرى كانت بالنّسبة للدول الدّاعمة لها ليست سوى حمارًا يمتطونه؛ ليوصلهم وجهتهم الّتي يعملون عليها بالخفاء، ولا أتحدث هنا عن رفضي للثورة العربيّة كما يُخيل لبعض المُمجدين للدولة العثمانية، إنما أرى أنّ الثّورة على العثمانيين كانت ضرورة عربيّة مُلحّة بقرار سيادي عربي مستقل، ولكن أعارض الصّورة السّخيفة الّتي تمت بها الثّورة بتخطيط وتوجيه من دول الاحتلال الغربي.
ورُفعِ علم الثّورة العربيّة الكبرى وبدأت تُسطَّر الحدود السّياسيّة على الجغرافية العربيّة، وبعدها صار علم الثّورة العربيّة يولدُ أطفالا من الأعلام فوق سواري حدود جديدة وكما يقول المثل: "من شابه أباه فما ظلم" فكانت الأعلام تحمل نفس الألوان بملامح مختلفة، وكأن سايكس لم يكتفِ بتقطيع أوصال بلاد العرب بالمسطرة وقلم الفحم بل خطّط كذلك تصاميم أعلام دولنا الّتي ما زالت ترفرف إلى اليوم بعد مئة عام، ويأخذ لون دماء شعوب العرب مكانه في ذلك العلم، ومنذ أن وجد ذلك اللون الأحمر في علم الثّورة العربيّة الكبرى وانتقل إلى أطفاله بعدوى التّقليد فمن ذلك الحين إلى اليوم لم تتوقف أنهار دماءنا على ثرى أوطاننا! فهي مهدورة ببندقية من يرفع تلك الأعلام باسم الوطن! وكأنّ سايكس يقول لنا: خطّطت حدودكم السّياسيّة وصمّمت أعلام دولكم الّتي لم تُولد بعد ولون دماءكم تلطخ بها وأجيالكم لم تولد بعد! لم تنته الحكايّة فبعد مئة عام تتفجر الثّورات والإنتفاضات من جديد على خطى ثورة العرب الكُبرى مطيّة الاحتلالات الغربيّة، فتتشكل الميليشيات المُسلحة الموالية لِتلكُمِ الاحتلالات فترفعُ أذرع العدو الميليشياوية رايات جديدة خاصّة بها على عقائد وغايات ومشاريع مختلفة، وحتّى أنهم أضافوا عبارات وكتابات تُدلل؛ لأفكارهم في مشاريعهم المجهريّة، فخرجنا من احتلال الجيوش إلى احتلال الميليشيات الضّالة، كانت تمتلىء نفوسنا بالحماس لمّا كنّا أطفالا نردد كلمات أناشيدنا الوطنيّة، وعندما كبرنا أدركنا أنّ أنغام تلكمِ الأناشيد والأغاني لم تكن سوى أنغام نشازاتٍ ترجمتها أصوات البنادق الّتي وجهتها أنظمتنا إلى صدورنا، فمن هو الخائن أهو الشّاعر كاتب تلك الكلمات أم خان تلك الكلمات من سادوا الأوطان؟ أم أنّ الشّعراء كانت مشاعرهم صادقة! والجواب برسم الشّعوب، إنّ السّيادة والحكمة في عهد الدّولة النّبويّة الأولى لم تتمتع بمثلها أيّة كياناتٍ بعدها إلا ما ندر، حينما كانت رايّة المسلمين المؤتلفةِ قلوبهم ولاءً لها محبوكة من قطعة قماشٍ سوداء صافيةٍ لا شيء فيها إطلاقا، فلا عدو يتدخل في تحديد طولها وعرضها وتصميمها وألوانها، ولا عدو ينجع معه أن يُهينها ويدنسها مكرًا وحقدًا، فشتان في رايةٍ أشرقت فيها السّيادة وفي راية غربت فيها السّيادة وغرقت بليالي المذلّة من عهد امتداد الألوان إلى ولادة ما بعدها من أجيال على مدى الأزمان.

مبدع كما عهدناك 🌹
ردحذفلا مكان للإبداع إلا لمّا أتشرف بعيونكم ناظرةً حروفي
ردحذف