اسم المقالة: حَضَاْرَةُ الْجِبْسِ وَالزُّجَاْجِ.
مدى المقالة: قصير.
نوع المقالة: أخلاقيَّة.
رقم المقالة المصحفة أدبيَّا: 15
تاريخ النَّشر: 1.10.18 أدبي.
حضارةٌ ماديَّةٌ واهيَّة نعيشُ فِيهَا، حضارةٌ كأنَّهَا عُشُّ العنكبوتِ في وهنِهَا، حضارةٌ تُهلِكُها رُطوبةُ ماءٍ أو تَكسِرُها لَقمةُ حجرٍ، حضارةٌ زائفةٌ جعلتْ مِن بُنيانِ الجبسِ والزُّجاجِ تحضُّرًا، وجعلتْ من بنيانِ اللَبِنِ والآجُرِّ تخلُفًا، وكأنَّ الجبسَ والزُّجَاج من الجنَّةِ وليْسا مِن تُراب الأرضِ! لِنعُد لِلخلف قليلًا صوبَ حضاراتٍ لا تزالُ باسقةً صلبةً إلى يومِنا، صَعُبَ على الدَّهر أن يَدرُسَها ويَمْحُوْهَا تمامًا إلى أثرٍ بعدَ عين، فتلك مدائنُ صالح في جزيرة العربِ، وتلك الأهراماتُ في الكنانةِ، وتلك المَسارحُ المدرجاتُ الرُّومانيَّةُ في الشَّامِ، وغيرَها الكثيرُ الكثيرُ في أمصارٍ أُخرى، جميعُها شُيِّدَتْ منذُ آلافِ السِّنينِ في عُصورٍ متفاوتةٍ، لم تَكُن جِبسًا وَلا زُجاجًا، وَلا خشَبًا وَلا قَشًّا، ولا كُرتونًا وَلا فلينًا، إنمَا كانتْ صُخُوْرًا وصُوَّاْنًا، رحلَ أهلُها وبَقيَّتْ خلفهُم تحكِيْ بأسًّا يسيرًا مِن عزائمِ أقوامِها المُتشبثيْنَ بالحيَّاةِ وكأنّهُم يحسبونَ أنفُسَهُم فيهَا خالدين! إنَّ مقيَّاسًا عندَ كثيرٍ مِن النَّاسِ يرُوْنَ في حضارةِ الجبسِ وَالزُّجَاجِ نَمُوْذَ حضارةٍ راقيَّةٍ، وحَضارةِ اللَبِنِ والآجُرِّ والحًجارةِ مُتَخَلِّفَةً، وفي هَذا مِقْيَّاسٌ مُختَلٌّ كَمن قالَ عن نَفسِهِ يَوْمًا: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾¹ ثُمَّ إنَّ حضارةَ الزُّجَاْجِ لاتعنِي الحداثَةَ إطلَاقًا، ولا تَعنِي التَّطُوْرَ في زَمَانِنَا اليَوم، فهناكَ مَن سَبَقَنا في بُنيانِ الزُّجاجِ منذُ آلافِ السِّنينِ، أوَلم يأتِكُم نَبَأُ سُليْماْنَ عليهِ السَّلام حيْنما قاْلَ لِبَلقِيْس: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾² لِهذا فإنَّ الحَضَارات الإنسَانيَّة لا تُقاسُ إلا بالقيَّمِ والمَبادِىءِ ومَكارِمِ الْأَخلَاقِ وليسَ المقيَّاسُ بِترابِ الأرضِ مِنَ الجبسِ والزُّجاجِ، ومعادنِ الأرضِ مِن حديْدها وذهَبِها، وصخُوْرِها مِن رُخَامِها المُمَرمَر، فلا شيءَ يَمنعُ تحوُّلَ حضارةِ الخشبِ والقشِّ إلى حضارةِ جِبسٍ وزجَاجٍ، وعودةِ حضارةِ الجِبسِ والزُجاجِ أثرًا بعدَ عيْنٍ، ذلكَ التَّداولُ في الحضاراتِ الماديَّة بينَ الشّعوْبِ هوَ سُنَّةٌ إلهيَّةٌ ثابِتَةٌ، إنَّ المَعنَى الحَقيْقي لِلحَضارةِ هوَ تحقيْقُ إنسَانيَّة الإنسانِ سواءً في حضارتِ الخشبِ والقشِّ أو في حضارات الصَّخرِ أو في حضاراتِ الجبسِ والزُّجاجِ، فكلُّ ماهوَ ماديٌّ مصيرهُ الخرابُ إلى التُّراب، فلا تَبقى إلا حضارةُ إنسَانيةُ الإنسانِ بتوارثِ الأجيَّالِ، فَلَسنَا نُريدُ حضارةَ جِبسٍ وزُجَاجٍ وصخرٍ وأخشابٍ إنْ لَمْ يَكُن بَيْنَ إنسانيَّةِ الإنسانِ وحَيَوَاْنِيّةِ الإنسانِ حِجَاب.
_________________
1: سورة الأعراف (الآيَّة12).
2: سورة النمل (الآيَّة44).
ليست هناك تعليقات