مدى المقالة: المدى قصير.
نوع المقالة: مقالة ناقدة.
رقم المقالة المصحّفة أدبيًّا: (27).
تاريخ النّشر: 2/6/8 أدبي.
لطالما تُصادفني أخبارُ الموتِ على أسافيرِ التَّواصل ِالإفتراضيَّةِ فأتجاوزها مُهرولًا قبل أن تتمكن خلايا ذاكرتي من التقاط الخبرِ وحفظه، أتجاوزه؛ لأنَّه التّذكرةُ؛ لِنهايةٍ قادمةٍ فوالله لا مناصَ منها قادمةٌ قادمة، فالنَّفسُ لا تُطيقُ أنباءَ الموتِ في أحوال ِتقصيرها وعصيانها، ليسَ كُرهًا بالموتِ إنما كُرهًا بنهايةٍ لا استعداد فيها لهُ، وليس الموتُ أرى فقط ذلك الإنسانُ الطَّاعِن في أرذلَ عُمُرٍ فيهِ داءٌ صنع منهُ جسدًا طريحًا ثُمَّ صارعهُ حتّى أرداهُ جُثمانًا نطيحًا، في حين أنَّ الموتَ الَّذي أقصِدهُ هو في أسبابٍ لا تُشبهُ أسبابَ الموتِ في شيءٍ، وفي لحظةِ موتٍ لا تُشبهُ الموتَ ولا هوَ يُشبِهُهَا، لحظةَ ليلٍ فيها خلودٌ إلى فِراشِ نومٍ لا صباح لهُ، لحظةَ مسيرةٍ في طريقٍ فاجعةٍ من مشوارِ الأرضِ إلى مشوار السَّماءِ، لحظةِ لهو أطفالٍ وجلسةِ عيالٍ ومن فوقِهم يهوي مقذوفٌ فإلى البرزخِ وصلوا قبل أن يَصرُخوا، تلك لحظاتٌ لا تُشعِرُ صاحبها بافتراسِ الموتِ فهو صامتٌ جدًّا ومُتربِّصٌ جدَّا ولكن هيهات من شعور، لم أشأ يا قرائي الأموات أن أحادثكم بهذا ولكنَّ أمانةَ الحرفِ تَفرِضُ على سِجلِّي أن يَحمِلها، حتَّى جائتني مجاديفُ جُرَّأةٍ حينما كنتُ في ثنايا أمواج العواصف فدفعتني للتجديفِ فيما كنت منه أَحيد، دفعني الفضولُ؛ لأن أُصافحَ الموتَ في ساعةِ هدنةٍ معه! فقلت له: يا موت ما هي شعائرك بعد أن تفعل فعلتكَ؟ فردَّ قائلًا: التَّغسيل والتّكفينُ والتّطييبُ! فقلتُ يا موت: التَّغسيلُ يُنقي ويُطهر وخيوط الكفن تسترُ وتغلِّف جُثمانها حتَّى يَدنوُ إلى روضةٍ تُرضي أو إلى حُفرةٍ تُحفرُ والجثمان في الحالتين يَمضي ويُنخَرُ، فما الغاية من طيبٍ ومسكٍ؟ فبينما أنظُرُ إليهِ بنظرٍ كئيب؟ أجاب وأجادَ وعلمتُ ما لم أكُن أعلَمْ؛ فتَصدَّع قلبي بحمد اللّه أني في الحياة ما زلتُ باقٍ أسلَمْ، أيُّها القُرَّاءُ الأموات: هاكُموا ما علِمتُ: أنَّ المسك للجُثمانِ يُخَتَّمُ بالجبينِ، والمسكُ يُخضَّبُ بالكفينِ بالشِّمالِ مع اليمينِ، بعدها يُمسحُ بالمسكِ على الرُّكبتين والقدمينِ، تِلْكُمِ الأعضاءُ السَّبعةُ فيها الجسدُ كانَ قَد سَجَدا، فكان للجثمانِ مِسكٌ فوَّاحٌ فيهنَّ وللسجودِ قد شَهِدَا، فكأنَّما يا رُكنَ الصَّلاةَ بعد لفظِ الشَّهادةِ تليتَ، حيزَ لكَ من بين الأركانِ أعلى تكريمًا عَلا، وسجادةُ صلاةٍ طولها ذراعينِ وعرضُها ذراعٌ خشوعٌ فيها يساوي طول السَّماء وعرضها، كُلما أصلِّي عليها صلاةً مكتوبةً ونافلةً يمتدُ طولها ذراعًا وتمتدُّ وتمتدُّ مَدى، حتَّى إذا جاءَ الموتُ أرها مبسُوطةً من علامةِ القبر إلى بابِ الجنةِ، ومِن فوقها تُشيعُ الرُّوحُ كمسارِ الملوكِ على بساطٍ استقبالِهم ووداعِهم والِّقَى، أيُّها القرَّاءُ الأموات كُلُّنا سنُخضَّبُ بالمسكِ فهل نستحق انسكابه على جلودنا! هل ريحُ المسكِ ستشُمها الملائكةُ في جِنازة السَّماءِ أم سيشُمها من يُشيعون جُثمانك في جنازةِ الأرض فقط؟ هل سِجادة صلاتك ستكونُ طويلةً ممتدةً مبسوطةً بالنَّسيج حتَّى آخر خُطوةٍ تخطوها قدماك عليها إلى مصراعِ باب الجنَّةِ؟ كلٌّ مِنَّا يعلمُ تقصيره وما عليه فعله؛ لِيُعَوِضَ ما فاته من صلاةٍ فهي نافذِةُ قبولِ الأعمالِ، فكلُّ عملٍ دونها مهما بلغَ فالأجرُ عنه مُحال، فأرحنا بها يا بلال.

ليست هناك تعليقات